أزهار
03-28-2010, 01:49 AM
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بـســم الله الـــرحـمــن الرحيـــــم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السؤال : ما حكم الإقامة في بلاد الكفار ؟
الجواب : الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين
المسلم ، وأخلاقه وسلوكه وآدابه وقد شاهدنا وغيرنا
انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا
به رجعوا فُسّاقاً وبعضهم رجع مرتدّاً عن دينه وكافراً
به وبسائر الأديان ـ والعياذ بالله ـ حتــى صاروا إلــى
الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهـــله السابقين
منهم واللاحقين ، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ
مـــن ذلك ووضـع الشروط التي تمنع من الهُوِيّ في
تلك المهالك . فالإقامة في بلاد الكفر لابد فيها مـن
شرطين أساسيين :
الشرط الأول: أمن المقيم على دينه بحيث يكون عنده
مـن العلــم والإيمان وقـــوة العزيمة ما يطمئنه عــلى
الثبات عـلى دينه والحذر مـــن الانحراف والزيغ وأن
يكون مضمراً لعداوة الكافرين وبغضهم مبتعداً عــــن
موالاتهم ومحبتهم فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي
الإيمان قــال الله تعــالـى ( لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا
آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) الآية.
وقــال تعــالى ( يَا أَيُّهَــا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَــن يَتَوَلَّهُم
مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهــُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْــدِي الْقَــوْمَ الظَّالِمِينَ ،
فَتَــرَى الَّذِيــنَ فِــي قُلُوبِهِم مَّـــرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِــمْ
يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِـيَ
بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلــَى مَا أَسَــرُّواْ
فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) ...
الشرط الثاني : أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم
بشعائر الإسـلام بدون ممانع ، فــلا يمنـع مـــن إقامة
الصــلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي
جماعة ومـــن يقيم الجمــعــة ، ولا يمنع مــن الزكاة
والصـيام والحج وغيرها من شعائر الدين ، فإن كان
لا يتمكـــن مــن ذلك لــم تجز الإقامة لوجوب الهجرة
حينئذ ، قــال في المغني في الكلام على أقسام الناس
فـي الهجرة : أحدها من تجب عليه وهــو مـــن يقدر
عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا تمكنه إقامة واجبات
دينه مــع المقام بيـــن الكفار فهذا تجب عليه الهجرة
لقوله تعالى(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ
قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِـي الأَرْضِ قَالْوَاْ
أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَــــــا فَأُوْلَـئِكَ
مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً ) وهذا وعيد شديد يدل
عـلى الوجوب ، ولأن القيام بواجب دينه واجب على
من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته،
وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . أ. هـ .
وبعد تمام هذين الشرطين الأساسيين تنقسـم الإقامة
في دار الكفر إلى أقسام :
القسـم الأول : أن يقيم للدعوة إلى الإسلام والترغيب
فيـه فهذا نوع من الجهاد فهي فرض كفاية على مــن
قدر عليها، بشرط أن تتحقق الدعوة وأن لا يوجد من
يمنع منهـا أو من الاستجابة إليهــا ، لأن الدعوة إلى
الإسلام من واجبات الدين وهي طريقة المرسلين وقد
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه فـي كـل
زمان ومكان فقال صلى الله عليه وسلم "بلغوا عني
ولو آية ".
القـســم الثــانـــي : أن يقيم لدراسة أحــوال الكافرين
والتعرف عـلى ما هم عليه من فساد العقيدة، وبطلان
التعبـد ، وانحلال الأخلاق ، وفوضوية السلوك ليحذر
الناس مــن الاغترار بهم ويبين للمعجبين بهم حقيقة
حالهم ، وهــــذه الإقامة نــوع مــن الجهاد أيضـاً لما
يترتب عــليها من التحذير من الكفر وأهله المتضمن
للترغيب فــي الإسلام وهديه ، لأن فساد الكفر دليــل
على صلاح الإسلام كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.
لكـن لابــد مــن شــرط أن يتحقق مراده بدون مفسدة
أعظم منــه ، فإن لم يتحقق مراده بأن منع مــن نشر
ما هم عليـه والتحذير منه فلا فائدة من إقامته ، وإن
تحقق مراده مــع مفسدة أعظـم مثــل أن يقابلوا فعله
بســب الإسلام ورسول الإسلام وأئمة الإسلام وجــب
الكف لقوله تعالى( وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ
اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُــلِّ أُمَّـةٍ
عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِـــم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَـــا كَانُـــواْ
يَعْمَلُونَ ) ويشبه هذا أن يقيم في بلاد الكفر ليكـــون
عيناً للمسلمين ، ليعرف ما يدبرونه للمسلمين مــن
المكايد فيحذرهم المسلمون، كما أرسل النبي صلى
الله عليه وسلم ، حذيفة بن اليمان إلى المشركين
في غزوة الخندق ليعرف خبرهم .
القسم الثالث : أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة وتنظيم
علاقاتها مــع دولة الكفر كموظفي السفارات فحكمها
حكم ما أقام مــن أجله . فالملحق الثقافي مثـــلاً يقيم
ليرعى شؤون الطلبة ويراقبهم ويحملهم على التزام
دين الإســلام وأخـــلاقـه وآدابــه ، فيحصـل بإقامته
مصلحة كبيرة ويندرئ بها شر كبير .
القسم الرابع : أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة
والعلاج فتباح الإقامة بقدر الحاجة ، وقــــد نص أهل
العلم رحمهم الله على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة
وأثروا ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم .
القســـم الخامـــس : أن يقيم للدراسة وهي من جنس
ما قبلها إقامة لحاجة لكنها أخطر منهــا وأشــــد فتكاً
بدين المقيم وأخلاقه ، فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته
وعلو مرتبة معلميه ، فيـحــصــل مـــن ذلك تعظيمهم
والاقتناع بآرائهم وأفكارهم وسلوكهم فيقلدهم إلا مـن
شاء الله عصمته وهــم قـــليــل ، ثم إن الطالب يشعر
بحاجتـــه إلــى معـلمــه فيؤدي ذلك إلــى التودد إليــه
ومداهنته فيــما هــو عليـه مــن الانحراف والضلال .
والطالب فـي مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء
يحبهم ويتولاهم ويكتسب منهم ، ومن أجل خطر هذا
القسم وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله فيشترط فيه
بالإضافة إلى الشرطين الأساسيين شروط :
الشـرط الأول : أن يكـــون الطالب عـلى مستوى كبير
مــن النضوج العقلي الذي يميز به بين النافع والضار
وينظر بــه إلــى المستقبل البعيد فأمــا بعــث الأحداث
" الصغار السن " وذوي العقول الصغيرة فهــو خطر
عظيم على دينهم وخلقهم وسلوكهم ثم هو خطر على
أمتهم التي سيرجعون إليها وينفثون فيها من السموم
التــي نهلوها مــن أولئك الكفار كما شهد ويشهد بــه
الواقع ، فإن كثيراً من أولئك المبعوثين رجعـــوا بغير
ما ذهبوا به، رجعوا منحرفين في ديانتهم، وأخلاقهم،
وسلوكهم، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر
في هذه الأمور ما هو معلوم مشاهد ، وما مثل بعث
هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضارية.
الشـــرط الثاني : أن يكــون عنـــد الطالب مــن عــلم
الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل،
ومقارعة الباطل بالحـق لئلا ينخدع بما هم عليه من
الباطل فيظنه حقاً أو يلتبس عليه أو يعجز عن دفعه
فيبقى حيران أو يتبع الباطل . وفــي الدعاء المأثور
" اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه ، وأرنـــي
الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً
علي فأضل".
الشـرط الثـــالـــث : أن يكون عند الطالب دين يحميه
ويتحصن بــه مـــن الكفـر والفسوق ، فضعيف الدين
لا يسلم مـع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله وذلك لقوة
المهاجم وضعـــف المقاوم . فأسباب الكفر والفسوق
هناك قوية وكثيرة متنوعة فإذا صادفت محلاً ضعيف
المقاومة عملت عملها .
الشـرط الرابع : أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام
مــن أجله بأن يكـــون فــي تعلمه مصلحة للمسلمين
ولا يوجد لـه نظير في المدارس في بلادهم، فإن كان
مـن فضول العلم الذي لا مصلحة فيـــه للمسلمين أو
كان في البلاد الإسلامية من المدارس نظيرة لم يجز
أن يقيم في بلاد الكفر من أجله لما في الإقامة مــن
الخطر عــلى الــدين والأخــلاق ، وإضاعة الأموال
الكثيرة بدون فائدة .
القسم السادس : أن يقيم للسكن وهذا أخطر مما قبله
وأعظم لما يترتب عليه مــن المفاسد بالاختلاط التام
بأهل الكفر وشعوره بأنه مواطن ملتزم بمــا تقتضيه
الوطنية من مودة ، وموالاة ، وتكثير لسواد الكفار،
ويتربى أهله بين أهل الكفر فيأخذون مـــن أخلاقهم
وعاداتهم ، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد ...
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكــن فــي بـلاد كفــار
تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيهـــا لغير الله
ورسولــه وهــو يشــاهـد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه
ويرضى به ، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيهـا
بأهله وأولاده ويطمئن إليهـا كما يطمئن إلــى بــلاد
المسلمين مـع ما في ذلك من الخطر العظيم عليــه
وعـلى أهلــه وأولاده فـــي دينهم وأخلاقهم . هــذا
ما توصلنا إليه فــي حكـم الإقامة فــي بلاد الكفــر
نسأل الله أن يكون موافقاً للحق والصواب.
مجموع فتاوى ومقالات الشيخ محمد العثيمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بـســم الله الـــرحـمــن الرحيـــــم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السؤال : ما حكم الإقامة في بلاد الكفار ؟
الجواب : الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين
المسلم ، وأخلاقه وسلوكه وآدابه وقد شاهدنا وغيرنا
انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا
به رجعوا فُسّاقاً وبعضهم رجع مرتدّاً عن دينه وكافراً
به وبسائر الأديان ـ والعياذ بالله ـ حتــى صاروا إلــى
الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهـــله السابقين
منهم واللاحقين ، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ
مـــن ذلك ووضـع الشروط التي تمنع من الهُوِيّ في
تلك المهالك . فالإقامة في بلاد الكفر لابد فيها مـن
شرطين أساسيين :
الشرط الأول: أمن المقيم على دينه بحيث يكون عنده
مـن العلــم والإيمان وقـــوة العزيمة ما يطمئنه عــلى
الثبات عـلى دينه والحذر مـــن الانحراف والزيغ وأن
يكون مضمراً لعداوة الكافرين وبغضهم مبتعداً عــــن
موالاتهم ومحبتهم فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي
الإيمان قــال الله تعــالـى ( لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا
آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) الآية.
وقــال تعــالى ( يَا أَيُّهَــا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَــن يَتَوَلَّهُم
مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهــُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْــدِي الْقَــوْمَ الظَّالِمِينَ ،
فَتَــرَى الَّذِيــنَ فِــي قُلُوبِهِم مَّـــرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِــمْ
يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِـيَ
بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلــَى مَا أَسَــرُّواْ
فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) ...
الشرط الثاني : أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم
بشعائر الإسـلام بدون ممانع ، فــلا يمنـع مـــن إقامة
الصــلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي
جماعة ومـــن يقيم الجمــعــة ، ولا يمنع مــن الزكاة
والصـيام والحج وغيرها من شعائر الدين ، فإن كان
لا يتمكـــن مــن ذلك لــم تجز الإقامة لوجوب الهجرة
حينئذ ، قــال في المغني في الكلام على أقسام الناس
فـي الهجرة : أحدها من تجب عليه وهــو مـــن يقدر
عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا تمكنه إقامة واجبات
دينه مــع المقام بيـــن الكفار فهذا تجب عليه الهجرة
لقوله تعالى(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ
قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِـي الأَرْضِ قَالْوَاْ
أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَــــــا فَأُوْلَـئِكَ
مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً ) وهذا وعيد شديد يدل
عـلى الوجوب ، ولأن القيام بواجب دينه واجب على
من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته،
وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . أ. هـ .
وبعد تمام هذين الشرطين الأساسيين تنقسـم الإقامة
في دار الكفر إلى أقسام :
القسـم الأول : أن يقيم للدعوة إلى الإسلام والترغيب
فيـه فهذا نوع من الجهاد فهي فرض كفاية على مــن
قدر عليها، بشرط أن تتحقق الدعوة وأن لا يوجد من
يمنع منهـا أو من الاستجابة إليهــا ، لأن الدعوة إلى
الإسلام من واجبات الدين وهي طريقة المرسلين وقد
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه فـي كـل
زمان ومكان فقال صلى الله عليه وسلم "بلغوا عني
ولو آية ".
القـســم الثــانـــي : أن يقيم لدراسة أحــوال الكافرين
والتعرف عـلى ما هم عليه من فساد العقيدة، وبطلان
التعبـد ، وانحلال الأخلاق ، وفوضوية السلوك ليحذر
الناس مــن الاغترار بهم ويبين للمعجبين بهم حقيقة
حالهم ، وهــــذه الإقامة نــوع مــن الجهاد أيضـاً لما
يترتب عــليها من التحذير من الكفر وأهله المتضمن
للترغيب فــي الإسلام وهديه ، لأن فساد الكفر دليــل
على صلاح الإسلام كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.
لكـن لابــد مــن شــرط أن يتحقق مراده بدون مفسدة
أعظم منــه ، فإن لم يتحقق مراده بأن منع مــن نشر
ما هم عليـه والتحذير منه فلا فائدة من إقامته ، وإن
تحقق مراده مــع مفسدة أعظـم مثــل أن يقابلوا فعله
بســب الإسلام ورسول الإسلام وأئمة الإسلام وجــب
الكف لقوله تعالى( وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ
اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُــلِّ أُمَّـةٍ
عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِـــم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَـــا كَانُـــواْ
يَعْمَلُونَ ) ويشبه هذا أن يقيم في بلاد الكفر ليكـــون
عيناً للمسلمين ، ليعرف ما يدبرونه للمسلمين مــن
المكايد فيحذرهم المسلمون، كما أرسل النبي صلى
الله عليه وسلم ، حذيفة بن اليمان إلى المشركين
في غزوة الخندق ليعرف خبرهم .
القسم الثالث : أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة وتنظيم
علاقاتها مــع دولة الكفر كموظفي السفارات فحكمها
حكم ما أقام مــن أجله . فالملحق الثقافي مثـــلاً يقيم
ليرعى شؤون الطلبة ويراقبهم ويحملهم على التزام
دين الإســلام وأخـــلاقـه وآدابــه ، فيحصـل بإقامته
مصلحة كبيرة ويندرئ بها شر كبير .
القسم الرابع : أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة
والعلاج فتباح الإقامة بقدر الحاجة ، وقــــد نص أهل
العلم رحمهم الله على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة
وأثروا ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم .
القســـم الخامـــس : أن يقيم للدراسة وهي من جنس
ما قبلها إقامة لحاجة لكنها أخطر منهــا وأشــــد فتكاً
بدين المقيم وأخلاقه ، فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته
وعلو مرتبة معلميه ، فيـحــصــل مـــن ذلك تعظيمهم
والاقتناع بآرائهم وأفكارهم وسلوكهم فيقلدهم إلا مـن
شاء الله عصمته وهــم قـــليــل ، ثم إن الطالب يشعر
بحاجتـــه إلــى معـلمــه فيؤدي ذلك إلــى التودد إليــه
ومداهنته فيــما هــو عليـه مــن الانحراف والضلال .
والطالب فـي مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء
يحبهم ويتولاهم ويكتسب منهم ، ومن أجل خطر هذا
القسم وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله فيشترط فيه
بالإضافة إلى الشرطين الأساسيين شروط :
الشـرط الأول : أن يكـــون الطالب عـلى مستوى كبير
مــن النضوج العقلي الذي يميز به بين النافع والضار
وينظر بــه إلــى المستقبل البعيد فأمــا بعــث الأحداث
" الصغار السن " وذوي العقول الصغيرة فهــو خطر
عظيم على دينهم وخلقهم وسلوكهم ثم هو خطر على
أمتهم التي سيرجعون إليها وينفثون فيها من السموم
التــي نهلوها مــن أولئك الكفار كما شهد ويشهد بــه
الواقع ، فإن كثيراً من أولئك المبعوثين رجعـــوا بغير
ما ذهبوا به، رجعوا منحرفين في ديانتهم، وأخلاقهم،
وسلوكهم، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر
في هذه الأمور ما هو معلوم مشاهد ، وما مثل بعث
هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضارية.
الشـــرط الثاني : أن يكــون عنـــد الطالب مــن عــلم
الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل،
ومقارعة الباطل بالحـق لئلا ينخدع بما هم عليه من
الباطل فيظنه حقاً أو يلتبس عليه أو يعجز عن دفعه
فيبقى حيران أو يتبع الباطل . وفــي الدعاء المأثور
" اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه ، وأرنـــي
الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً
علي فأضل".
الشـرط الثـــالـــث : أن يكون عند الطالب دين يحميه
ويتحصن بــه مـــن الكفـر والفسوق ، فضعيف الدين
لا يسلم مـع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله وذلك لقوة
المهاجم وضعـــف المقاوم . فأسباب الكفر والفسوق
هناك قوية وكثيرة متنوعة فإذا صادفت محلاً ضعيف
المقاومة عملت عملها .
الشـرط الرابع : أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام
مــن أجله بأن يكـــون فــي تعلمه مصلحة للمسلمين
ولا يوجد لـه نظير في المدارس في بلادهم، فإن كان
مـن فضول العلم الذي لا مصلحة فيـــه للمسلمين أو
كان في البلاد الإسلامية من المدارس نظيرة لم يجز
أن يقيم في بلاد الكفر من أجله لما في الإقامة مــن
الخطر عــلى الــدين والأخــلاق ، وإضاعة الأموال
الكثيرة بدون فائدة .
القسم السادس : أن يقيم للسكن وهذا أخطر مما قبله
وأعظم لما يترتب عليه مــن المفاسد بالاختلاط التام
بأهل الكفر وشعوره بأنه مواطن ملتزم بمــا تقتضيه
الوطنية من مودة ، وموالاة ، وتكثير لسواد الكفار،
ويتربى أهله بين أهل الكفر فيأخذون مـــن أخلاقهم
وعاداتهم ، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد ...
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكــن فــي بـلاد كفــار
تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيهـــا لغير الله
ورسولــه وهــو يشــاهـد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه
ويرضى به ، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيهـا
بأهله وأولاده ويطمئن إليهـا كما يطمئن إلــى بــلاد
المسلمين مـع ما في ذلك من الخطر العظيم عليــه
وعـلى أهلــه وأولاده فـــي دينهم وأخلاقهم . هــذا
ما توصلنا إليه فــي حكـم الإقامة فــي بلاد الكفــر
نسأل الله أن يكون موافقاً للحق والصواب.
مجموع فتاوى ومقالات الشيخ محمد العثيمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ